ابراهيم بن عمر البقاعي
59
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
اجتمع لها ناس منهم فرماها أحدهم بسهم وضرب آخر قوائمها بالسيف ونحرها آخر فأطلق اسم السبب على المسبب ، لكن قوله تعالى : فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ [ القمر : 29 ] وقوله إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها [ الشمس : 91 ] وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه » « 1 » قالوا : هو قدار بن سالف ، جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن عقرها ، ففعل فكان أشقى الأولين ، وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، جعلت له قطام امرأة من بني عجل جميلة نفسها إن قتله ، فالمناسبة بينهما أن كلّا منهما ألقى نفسه في المعصية العظمى لأجل شهوة فرجه في زواج امرأة ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أشقى الأولين عاقر الناقة « 2 » » يدل على أن عاقرها رجل واحد ، وحينئذ يكون المراد به قطع القوائم ، فحيث جمع أراد الحقيقة والمجاز معا ، وحيث أفرد أراد الحقيقة فقط ، فالتعبير به لأنه الأصل والسبب الأعظم في ذبح الإبل ؛ قال البغوي : قال الأزهري : العقر هو قطع عرقوب البعير ، ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره - انتهى . وكأن هذا إشارة إلى أن المراد بالعقر في كلامه النحر ، ولا ريب في أن أصل العقر في اللغة القطع ، ومادته تدور على ذلك ، عقر النخلة . إذا قطع رأسها فيبست ، والفرس : ضرب قوائمها بالسيف وأكثر ما يستعمل العقر في الفساد ، وأما النحر فيستعمل غالبا في الانتفاع بالمنحور لحما وجلدا وغيرهما ، فلعل التعبير به دون النحر إشارة إلى أنهم لم يقصدوا بنحرها إلا إهلاكها عتوا على اللّه وعنادا وفعلا للسوء مخالفة لنهي صالح عليه السّلام ، ولا يشكل ذلك بما ورد من أنهم اقتسموا لحمها ، لأنه لم يدع أن العقر يلزمه عدم الانتفاع بالمنحور ، وعلى التنزل فهم لم يريدوا بذلك الانتفاع باللحم ، وإنما قصدوا - حيث لم يمكنهم المشاركة جميعا في العقر - أن يشتركوا فيما نشأ عنه تعريضا برضاهم به ومشاركتهم فيه بما يمكنهم وَعَتَوْا أي تجاوزوا الحد في الغلظة والتكبر عَنْ أَمْرِ أي امتثال أمر رَبِّهِمْ أي المحسن إليهم الذي أتاهم على لسان رسوله من تركها وَقالُوا زيادة في العتو يا صالِحُ ائْتِنا . ولما نزلوا وعيدهم له - حيث لم يؤمنوا به - منزلة الوعد والبشارة ، قالوا : بِما تَعِدُنا استخفافا منهم ومبالغة في التكذيب ، كأنهم يقولون : نحن على القطع بأنك لا تقدر على أن تأتينا بشيء من ذلك ، وإن كنت صادقا فافعل ولا تؤخره رفقا بنا وشفقة
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4942 ومسلم 2855 والترمذي 3343 والنسائي في الكبرى 11675 من حديث عبد اللّه بن زمعة بأتم منه . ( 2 ) قلت : أخرجه الطبراني في الكبير كما في المجمع 7 / 14 و 399 ( 10970 ) ( 12319 ) من حديث عبد اللّه بن عمرو ، وصدده : « أشقى الناس ثلاثة . وقال الهيثمي في المجمع عقب الرواية الأولى : فيه ابن إسحاق ، وهو مدلس ، وعقب الرواية الثانية : وفيه حكيم بن جبير وهو متروك ، وضعفه الجمهور ، وقال أبو زرعة محله الصدق إن شاء اللّه ، وابن إسحاق : مدلس ا ه .